السيد كمال الحيدري
96
الإنسان بين الجبر والتفويض
المجال . فهذه مقولة تحتاج إلى مناقشة تتمخّض عن نتيجة مختلفة ، إذ سنرى أنّ الفعل في عين صدوره عن الإنسان ، فهو محتاج إلى الله أيضاً . وهذا هو الفارق الذي ينبغي أن يدرك بدقّة بين نظرية التفويض الاعتزالي ونظرية الأمر بين الأمرين الإمامية . وبتعبير السيّد الخوئي : « بهذه النقطة تمتاز عن نظرية الأمر بين الأمرين ، فإنّ العبد في ضوء تلك النظرية وإن كان له أن يفعل ما يشاء ويعمل ما يريد ، إلّا أنّه في عين ذلك بحاجة إلى استعانة الغير ، فلا يكون مستقلًّا فيه » « 1 » . هذه هي دائرة الخلاف مع المعتزلة ، وستنطلق المناقشة من خلال مستويين متكاملين ، هما : 1 . المستوى العقلي . 2 . المستوى النقلي . 1 . المستوى العقلي في الحقيقة هناك وفرة من المنطلقات العقلية التي يمكن من خلالها مناقشة المعتزلة والردّ عليها . سنمرّ على بعضها من خلال ما يلي : المنطلق الأوّل : يتمثّل بمناقشة الأصل الموضوعي الذي ارتكزت إليه المعتزلة متمثِّلًا بحاجة الممكن إلى العلّة حدوثاً واستغنائه عنها بقاءً ، كما استشهدوا عليه بعدد من الأمثلة العرفية كعلاقة البناء بالبنّاء ، والكتاب بالمؤلِّف ، والثوب بالخيّاط وهكذا إلى بقيّة المعاليل التي تبدو أنّها توجد وتبقى حتّى بعد انعدام عللها الموجدة لها .
--> ( 1 ) محاضرات في أصول الفقه ، مصدر سابق : ج 2 ، ص 77 .